مجمع البحوث الاسلامية

230

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فأرسل في طلبهم فأتي بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، وتركهم في الحرّة حتّى ماتوا . قيل له : إنّ خبر العرنيّين مختلف فيه ، فذكر بعضهم عن أنس نحو ما ذكرنا وزاد فيه أنّه كان سبب نزول الآية ، وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّها نزلت في أصحاب أبي برزة الأسلميّ وكان موادعا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقطعوا الطّريق على قوم جاؤوا يريدون الإسلام ، فنزلت فيهم ، وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّها نزلت في المشركين فلم يذكر مثل قصّة العرنيّين ، وروي عن ابن عمر أنّها نزلت في العرنيّين ولم يذكر ردّة . ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيّين أو الموادعين ، فإن كان نزولها في العرنيّين وأنّهم ارتدّوا ، فإنّ نزولها في شأنهم لا يوجب الاقتصار بها عليهم ، لأنّه لا حكم للسّبب عندنا وإنّما الحكم عندنا لعموم اللّفظ ، إلّا أن تقوم الدّلالة على الاقتصار به على السّبب . وأيضا فإنّ من ذكر نزولها في شأن العرنيّين ، فإنّه ما ذكر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بعد نزول الآية [ فعل ] شيئا ، وإنّما تركهم في الحرّة حتّى ماتوا . ويستحيل نزول الآية في الأمر بقطع من قد قطع وقتل من قد قتل ، لأنّ ذلك غير ممكن ، فعلمنا أنّهم غير مرادين بحكم الآية ، ولأنّ الآية عامّة في سائر من يتناوله الاسم غير متصوّر الحكم على المرتدّين . وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال : كان أمر العرنيّين قبل أن ينزل الحدود ، فأخبر أنّه كان قبل نزول الآية ، ويدلّ عليه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم سمل أعينهم ، وذلك منسوخ بنهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم عن المثلة . وأيضا لمّا كان نزول الآية بعد قصّة العرنيّين واقتصر فيها على ما ذكر ولم يذكر سمل الأعين ، فصار سمل الأعين منسوخا بالآية ، لأنّه لو كان حدّا معه لذكره ، وهو مثل ما روي في خبر عبادة في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثّيّب بالثّيّب الجلد والرّجم ، ثمّ أنزل اللّه تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ النّور : 2 ، فصار الحدّ هو ما في الآية دون غيره ، وصار النّفي منسوخا بها . وممّا يدلّ على أنّ الآية لم تنزل في العرنيّين وأنّها نزلت بعدهم أنّ فيها ذكر القتل والصّلب وليس فيها ذكر سمل الأعين . وغير جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم ، وأن يكونوا مرادين بها ، لأنّه لو كان كذلك لأجرى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم حكمها عليهم ، فلمّا لم يصلبوا وسملهم ، دلّ على أنّ حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ ، فثبت بذلك أنّ حكم الآية غير مقصور على المرتدّين ، وأنّه عامّ في سائر المحاربين . [ ثمّ ذكر اختلاف الفقهاء في حكم المحاربين ] ( 2 : 406 ) الواحديّ : يعصونهما ولا يطيعونهما ، وكلّ من عصاك فهو حرب لك . ( 2 : 181 ) الزّمخشريّ : يحاربون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته . نزلت في قوم هلال بن عويمر ، وكان بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عهد ، وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول اللّه فقطعوا عليهم . وقيل : في العرنيّين ، فأوحى إليه : أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن أفرد القتل قتل ، ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال ، ورجله